ابن رشد

241

تهافت التهافت

الحجج كان قولا مقنعا له برهانيا ، فعليك أن تنظر في هذه الأشياء إن كنت من أهل السعادة التامة في مواضعها من كتب « البرهان » إن كنت ممن تعلمت الصنائع التي فعلها البرهان ، فإن الصنائع البرهانية أشبه شيء بالصنائع العملية وذلك أنه كما أن ليس يمكن من كان من غير أهل الصناعة أن يفعل فعل الصناعة ، كذلك ليس يمكن من لم يتعلم صنائع البرهان أن يفعل فعل صناعة البرهان ، وهو البرهان بعينه ، بل هذه الصناعة أحرى بذلك من سائر الصنائع وإنما خالف القول في هذا العمل لأن العمل هو فعل واحد فلا يصدر ضرورة إلا عن صاحب الصناعة وأصناف الأقاويل كثيرة : فيها برهانية ، وغير برهانية ، والغير برهانية لما كانت تتأتى بغير صناعة ، ظن بالأقاويل البرهانية أنها تتأتى بغير صناعة وذلك غلط كبير . ولذلك ما كان من مواد الصنائع البرهانية ليس يمكن فيها قول غير القول الصناعي ، لم يمكن فيها قول إلا لصاحب الصناعة كالحال في صنائع الهندسة . ولذلك كل ما وضعنا في هذا الكتاب فليس هو قولا صناعيا برهانيا وإنما هي أقوال غير صناعية ، بعضها أشد إقناعا من بعض . فعلى هذا ينبغي أن يفهم ما كتبناه هاهنا . ولذلك كان هذا الكتاب أحق باسم « التهافت » من الفرقتين جميعا . وهذا كله عندي تعد على الشريعة وفحص عما لم تأمر به شريعة لكون قوى البشر مقصرة عن هذا . وذلك أن ليس كل ما سكت عنه الشرع من العلوم يجب أن يفحص عنه ويصرح للجمهور بما أدى إليه النظر أنه من عقائد الشرع ، فإنه يتولد عن ذلك مثل هذا التخليط العظيم فينبغي أن يسكت من هذه المعاني عما سكت عنه الشرع ، ويعرف الجمهور أن عقول الناس مقصرة عن الخوض في هذه الأشياء ولا يتعدى التعليم الشرعي المصرح به في الشرع إذ هو التعليم المشترك للجميع الكافي في بلوغ سعادتهم . وذلك إنه كما أن الطبيب إنما يفحص من أمر الصحة على القدر الذي يوافق الأصحاء في حفظ صحتهم والمرضى في إزالة مرضهم ، كذلك الأمر في صاحب الشرع فإنه إنما يعرف الجمهور من الأمور مقدار ما تحصل لهم به سعادتهم . وكذلك الحال في الأمور العملية ، ولكن الفحص في الأمور العملية عما سكت عنه الشرع أتم وخاصة في المواضع التي يظهر أنها من جنس الأعمال التي فيها حكم شرعي . ولذلك اختلف الفقهاء في هذا الجنس ، فمنهم من نفى القياس وهم الظاهرية ، ومنهم من أثبته وهم أهل القياس وهذا بعينه هو لا حق في الأمور